فخر الدين الرازي
208
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
كان غافلًا عن تفاصيل ما يأتيها من الأرزاق من عند اللّه تعالى ، فإذا رأى شيئاً بعينه في وقت معين قال لها أَنَّى لَكِ هذا قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فعند ذلك يعلم أن اللّه تعالى أظهر بدعائه تلك المعجزة والثاني : يحتمل أن يكون زكريا يشاهد عند مريم رزقاً معتاداً إلا أنه كان يأتيها من السماء ، وكان زكريا يسألها عن ذلك حذراً من أن يكون يأتيها من عند إنسان يبعثه إليها ، فقالت هو من عند اللّه لا من عند غيره . المقام الثاني : أنا لا نسلم أنه كان قد ظهر على مريم شيء من خوارق العادات ، بل معنى الآية أن اللّه تعالى كان قد سبب لها رزقاً على أيدي المؤمنين الذين كانوا يرغبون في الإنفاق على الزاهدات العابدات ، فكان زكريا عليه السلام إذا رأى شيئاً من ذلك خاف أنه ربما أتاها ذلك الرزق من وجه لا ينبغي ، فكان يسألها عن كيفية الحال ، هذا مجموع ما قاله الجبائي في « تفسيره » وهو في غاية الضعف ، لأنه لو كان ذلك معجزاً لزكريا عليه السلام كان مأذوناً له من عند اللّه تعالى في طلب ذلك ، ومتى كان مأذوناً في ذلك الطلب كان عالماً قطعاً بأنه يحصل ، وإذا علم ذلك امتنع أن يطلب منها كيفية الحال ، ولم يبق أيضاً لقوله هُنالِكَ دَعا زَكَرِيَّا رَبَّهُ فائدة ، وهذا هو الجواب بعينه عن الوجه الثاني . وأما سؤاله الثالث ففي غاية الركالة لأن هذا التقدير لا يبقى فيه وجه اختصاص لمريم بمثل هذه الواقعة ، وأيضاً فإن كان في قلبه احتمال أنه ربما أتاها هذا الرزق من الوجه الذي لا ينبغي فبمجرد إخبارها كيف يعقل زوال تلك التهمة فعلمنا سقوط هذه الأسئلة وباللّه التوفيق . أما المعتزلة فقد احتجوا على امتناع الكرامات بأنها دلالات صدق الأنبياء ، ودليل النبوّة لا يوجد مع غير الأنبياء ، كما أن الفعل المحكم لما كان دليلًا على العلم لا جرم لا يوجد في حق غير العالم . والجواب من وجوه الأول : وهو أن ظهور الفعل الخارق للعادة دليل على صدق المدعي ، فإن ادعى صاحبه النبوّة فذاك الفعل الخارق للعادة يدل على كونه نبياً ، وإن ادعى الولاية فذلك يدل على كونه ولياً والثاني : قال بعضهم : الأنبياء مأمورون بإظهارها ، والأولياء مأمورون / بإخفائها والثالث : وهو أن النبي يدعي المعجز ويقطع به ، والولي لا يمكنه أن يقطع به والرابع : أن المعجزة يجب انفكاكها عن المعارضة ، والكرامة لا يجب انفكاكها عن المعارضة ، فهذا جملة الكلام في هذا الباب وباللّه التوفيق . ثم قال تعالى حكاية عن مريم عليها السلام : إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ فهذا يحتمل أن يكون من جملة كلام مريم ، وأن يكون من كلام اللّه سبحانه وتعالى ، وقوله بِغَيْرِ حِسابٍ أي بغير تقدير لكثرته ، أو من غير مسألة سألها على سبيل يناسب حصولها ، وهذا كقوله وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ [ الطلاق : 3 ] وهاهنا آخر الكلام في قصة حنة . [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 38 ] هُنالِكَ دَعا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ ( 38 ) القصة الثانية واقعة زكريا عليه السلام [ في قوله تعالى هُنالِكَ دَعا زَكَرِيَّا رَبَّهُ ] وفي الآية مسائل :